الخميس، 6 يونيو 2013

موسيفيني.. دخول المباراة بعد صافرة النهاية!

حين لم يجد الرئيس اليوغندي يوري موسيفيني ما كان يريده عبر دعمه (اللا محدود) للقوى المسلحة المختلفة الناشطة ضد السودان، وحين أدرك الرجل -فى لحظة فارقة- أن الثورية مهزومة لا محالة، وأن علاقات جوبا والخرطوم ماضية عاجلاً أم آجلاً -طوعاً أو جبراً- نحو التحسن والتعاون ومن ثم سيصبح هو عملياً خارج الملعب، ضرب أخماساً بأسداس وطلب بتسلُّم ملف دارفور!
والواقع إن كان لأيّ مراقب أن يستنتج شيئاً -دون عناء- من وراء هذا الطلب اليوغندي الغريب هو أن الرجل يود دخول ملعب المباراة بعد أن أطلق الحكم صافرة النهاية وبدأ الملعب ينفضّ والجمهور يخرج من الأبواب الضخمة.
وهذه فى الواقع هي طبيعة الأنظمة السياسية التى تعتمد على التغذية الاستخبارية، يأتيها القرار من الخارج معلباً فى ورق سلوفان ولا تستطيع ابتداء ً أن تقرر دخول مطبخها الخاص لتعد الوجبة التى تروق لها.
نظام الرئيس موسيفيني فى يوغندا لم يكتف بأن يصبح (ميدان رحب) للرماية بذخيرة المخابرات (الحية) ضد دول المنطقة، ولكنه تحول فى الأعوام العشر الماضية الى نظام (تابع) لجماعات ضغط أمريكية وبريطانية وجدت فيه مؤهلات جيدة لخوض أي مغامرة.
لقد تركت كل من واشنطن وبريطانيا والعديد من الدول الأوربية جماعات الضغط التى تسبب لها إزعاجاً (تتصرف) بنفسها على طريقة (أخدم نفسك بنفسك) الشهيرة المعروفة في البوفيه المفتوح، ففي نظام الرئيس اليوغندي حدائق غناء، و (زوايا مظلمة) لعقد الصفقات و (تبادل الأنخاب) وتمنطق السلاح على الخصور المغطاة بالسترات السميكة!
والأمر الأكثر مدعاة للدهشة أن الرئيس موسيفيني لم تكن له في أي يوم من الأيام علاقة عادية (مجرد علاقة عادية) دعك من علاقة جيدة مع الحكومة السودانية حتى يمكنها أن تعهد إليه بملف من الملفات. كما أنه –وفى هذه اللحظات– ظل وما يزال يشرف على تدريب وعقد اجتماعات الحركات المسلحة فى كمبالا ويوفر لها كل شيء من النبيذ المستورد الفاخر الى الذخائر وربطات العنق الصقيلة اللامعة!
نظام الرئيس موسيفيني لم يدع أي أمر يمكن أن يؤذي السودان لم يفعله فكيف يمكن أن يصبح وسيطاً محايداً ونزيهاً؟ والسؤال الأكثر أهمية هنا هو إذا كان موسيفيني لديه الرغبة فى حل جزء من أزمات السودان وحريص على استقرار السودان، لماذا لم يقدم بادرته هذه قبل أن يستضيف هذه الحركات المسلحة وقبل أن يشوِّنها لتقود هجماتها ضد السودان؟
من المؤكد أن الرجل (بعقليته الحربية الإفريقية الكلاسيكية) كان يراهن على إمكانية إسقاط نظام الخرطوم عبر هذه الحركات المسلحة وحين بدأ يدرك أن الأمر بالنسبة للسودان مختلف تماماً يود أن يلحق بالمباراة فى دقائقها الأخيرة عسى ولعل أن تتم (ضربات ترجيحية) ترفع عنه حرج الدعم الذى لم يجدي نفعاً رغم كثرته واتساعه، وفى الوقت نفسه يحول بينه وبين (المحاسبة السياسية) فى علاقاته مع السودان، فملف الرجل فى الخرطوم فاض وإمتلأ بأوراق وسوابق جنائية تملأ البحر.
وعلى كلٍ فلربما كانت بداية للشعور بالوعي وبأهمية السودان واستحالة العبث به، مهما بدت له المهمة سهلة ومجرد نزهة!

الثلاثاء، 4 يونيو 2013

الحدود مع الجنوب.. التامين بالتعايش

حملت تصريحات الفريق أول ركن عصمت عبد الرحمن رئيس هيئة الأركان المشتركة في أبو كرشولا الجمعة الماضية عن خطة لمنع دعم دولة جنوب السودان للحركات المسلحة شرعت في تطبيقها  بمناطق التمرد فعلاً وتأتي الخطة التي تحدثت عنها القوات المسلحة رداً علي ما رشح من تجدد دعم جوبا للمتمردين مؤخراً رغم أن السودان وقع مع دولة الجنوب بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا في مارس الماضي علي مصفوفة تنفيذ الترتيبات الأمنية التي تنص علي الانسحاب الفوري لقوات البلدين مسافة 10 كيلو مترات جنوب وشمال خط الصفر المتفق عليه لإنشاء المنطقة العازلة منزوعة السلاح بين البلدين.
وكان الرئيس عمر البشير حذر من أن السودان سيغلق خط أنابيب النفط الذي يتم من خلاله تصدير بترول الجنوب إذا واصلت جوبا دعم المتمردين وكان واضحا إن هذا التصريح الرئاسي صادر عن معلومات موثقة باستمرار الأخيرة في مسلسل الدعم الذي عززه ما تناقلته وسائل الإعلام مؤخراً بشأن وصول سليمان جاموس القيادي بحركة العدل والمساواة الي جوبا وان حكومة الجنوب مدت الجبهة الثورية وحركة العدل والمساواة بقطع غيار لسيارات الدفع الرباعي وقال الرئيس حين خاطب احتفال تحرير أبو كرشولا من أيدي متمردي الجبهة الثورية بوزارة الدفاع انه يحذر دولة الجنوب من أن السودان سيغلق خط أنابيب النفط للأبد إذا قدمت جوبا أي دعم للمتمردين في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق.
وكان قد جري اتفاق بين الطرفين علي تولي قائد البعثة الأممية بأبيي (يونسفا) مراجعة ومراقبة عملية انسحاب الجيشين بع (33) يوماً من بداية صدور الأوامر الأولية المحددة في العاشر من مارس الماضي ولكن المراقب يتساءل: في وجود حدود بين السودان ودولة الجنوب، تتجاوز أكثر من ألف وسبعمائة كلم،. هل يمكن إيقاف الإمداد عن المتمردين؟
وفي رأي خبراء عسكريين اتصلت بهم ( الرأي العام) للإجابة عن السؤال يقول الخبير الاستراتيجي اللواء د. محمد عباس الأمين انه إذا قامت مصالح مشتركة مع كل دول الجوار السوداني كافة فإن ذلك كفيل ببناء حدود آمنة وان العمل العسكري يأتي بإجراءات عددية منها اختيار المداخل المتوقعة التي تؤثر علي امن وسلامة البلاد وقال: هنالك مناطق تتم بالإجراءات العادية عبر حركة القبائل والتبادل التجاري فالتامين يشمل أماكن مختارة إذ لا يمكن للجيش أن يغطي كل مناطق الحدود.. ويضيف اللواء عباس بأن المسائل الفعالة في تامين الحدود هي الأساس في علاقات الجوار ويضرب مثلاً بما تم علي الحدود السودانية التشادية كانت هنالك مشاكل وهنالك ست عشرة قبيلة لكن تم تامين هذه الحدود بالعلاقات والمصالح وبالتنمية المشتركة.
وأشار العباس الي إمكانية تسوير المناطق عسكرياً بما وفرته التقنية الحديثة وعبر الأقمار الاصطناعية بوضع خطة مرنة عبر دفاعات متحركة وهذه مرونة وتامين.
من جانبه يقول الخبير الأمني العميد امن (م) حسين بيومي انه يمكن سد مناطق المنخفضات الأمنية أو أي ثغور يتوقع أن ينفذ منها المتمردون ويشير الي انه يجب أن يكون هنالك موقف مع دولة جنوب السودان لمنعها من تقديم الإمداد والمأوي للمتمردين وينوه الي أن حدودا ممتدة مثل حدودنا مع دولة الجنوب يصعب مراقبتها رغم وجود القوات الأممية المتفق عليها ويري ان تقوية العمل الإستخباري مطلب ضروري جداً.
أما العميد (م) جمال عبد الرحمن فقال إن اية اتفاقات دولية أو غيرها لا يمكن ان توقف تسلل قوات في حدود كحدود السودان ودولة الجنوب لذلك فهو يري مع عمل القوات المسلحة ضرورة إقامة علاقات ثقافية واجتماعية واقتصادية مع شعبي البلدين فمثلما إن سور البيت مهما علا لن يحميك من اللصوص فانك لن حمي حدودك مع دولة إلا بالتنمية والمصالح الاقتصادية،وأشار الي حسن العلاقات بين السودان ومصر علي حدود مشتركة طوال عقود من الزمان والي الآن  ومع تأمينه علي دور القوات المسلحة فإنه يدعو الي تفعيل علاقات التعايش بين القبائل الموجودة بين البلدين وهي لها قاعدة راسخة سبقت انفصال دولة الجنوب وهذه القبائل يجب توعيتها للخروج من أوهام الماضي بأنهم درجة تانية أو خلافه ويضيف: بالتنمية الاقتصادية والثقافية سنؤمن حدودنا وبالتالي يكون العمل العسكري ضامناً لهذه العلاقات.

الاثنين، 3 يونيو 2013

قوى الاجماع ورحلة صيد سياسية فاشلة الى جوبا!

منذ يوم الأربعاء الثامن من مايو المنصرم وقيادات تحالف المعارضة المعروفة بقوى الإجماع الوطني تشعر بآلام في الصدر وتشويش فى الذهن وضيق فى النفس السياسي؛ فالأحداث الجارية في أبو كرشولا غربيّ السودان وضعتهم فى مأزق سياسي كبير.
ترك كل خصوم الحكومة خصوماتهم وأصبحوا جبهة واحدة ضد العدوان. كما أن هزيمة الثورية -كما كان يدور في ذهن القادة الحائرين- مسألة وقت فقط، ومرحلة ما بعد الهزيمة باتت تضغط على صدر القوى المعارضة بقوة، وشرايينها السياسية تزداد ضيقاً والعرق يتصبّب على الجباه التائهة!
كيف إذن يمكن أن يكون المخرج؟ فهم لا يعرفون ماذا كان قرار حلفائهم فى الثورية باحتلال المنطقة استراتيجياً يإمكانهم المحافظة عليه ومن ثم المساومة به أم أنه مجرد تكتيك.
كما لا يعرفون كيف ستكون طريقة تعاملهم مع الحكومة وهم لا يستطيعون الوقوف معها مخافة خسران الثورية؛ كما أنهم لا يستطيعون الوقوف مع الثورية ليس مخافة الحكومة فقط، وإنما مخافة دولة بكاملها شعباً وأرضاً وتاريخاً، وفى مثل هذه المنعطفات التاريخية عادة فإن التاريخ يسجل ولا يرحم ولا يمحو أو يصفح!
أخيراً وجدها القيادي بالتحالف، المحامي الأقل حظاً فى اللباقة والحصافة السياسية والذي أُوكِلت له مهمة قيادة المكتب الإعلامي للتحالف. "فلنبدأ من مقتل سلطان دينكا نقوك، كوال دينق" ، هكذا قال المحامي كمال بضحكة نصفها به قدر من المكر ونصفها الآخر بدا كآهة متحسرة على مشهد سياسي لا تتوفر فيه أدنى جدوى سياسية للمعارضة فالخسائر فى كل مكان، والسلطة الحاكمة اكتسبت مؤيدين جدد، والتعبئة والاستنفار اتخذ مساراً عفوياً تلقائياً ولا مجال لهزيمة جيش يقف وراءه كل شعبه.
القيادي كمال عمر قال لرفاقه فى ذلك اليوم إن المخرج الحالي الوحيد هو محاولة السفر الى جوبا. زيارة ظاهرها العزاء فى السلطان كوال، ولكن باطنها أمور أخرى مكانها القاعات المغلقة، والأحاديث الهامسة.
وافترق الجميع يومها وقد ركنوا جميعاً للمقترح، فهو لا يكلف شيئاً ويتيح لهم الابتعاد عن نيران التعبئة الساخنة واللاهبة، ويقلل أو يرطب سخونة الحرج السياسي في أجواء الخرطوم الصيفية الساخنة التى بلغت درجة الحرارة السياسية فيها درجة مماثلة لدرجة حرارة الأجواء، فهي ببساطة درجة غليان الماء. وتعرف قوى الإجماع –بحكم التجارب والخبرات– أن هذه الدرجة لا يجيء معها أيّ محاولة (تبريد) ولو نزلت المئات تحت الصفر.
فى صبيحة الخميس التاسع من مايو تحرك وفد قوى الإجماع نحو مقر سفارة دولة جنوب السودان في الخرطوم ولم يستغرقهم الأمر إجراءات مطولة فقد كان عنوان زيارة سفارة: تقديم العزاء لسفير جوبا وتسجيله على الدفاتر التى عادة ما تعد لمثل هذه المناسبات كأمر بروتوكولي مراسيمي مألوف.
وعلى أبواب سفارة دولة جنوب السودان ترجل القادة الذين كان يتقدمهم كمال عمر والذين طلبت منهم الجهات الإدارية المسئولة فى السفارة ألا يتجاوز عددهم الخمس.
وفى مكتب السفير، وفي قاعة باردة جلس السفير الجنوبي (ميانق دينق) الى القادة الخمس وهو يصغي الى كلمات العزاء من قادة الوفد والتي ابتدرها المحامي كمال عمر معدداً مآثر الفقيد سلطان دينق، وربما علت الدهشة وجوه بعض رفاقه حين أشار كمال الى ان الفقيد كان مسلم الديانة.
السفير (ميانق) لم تبد على ملامحه وتقاطيع وجهه الصامت أية تعبيرات، فتلك طبيعة عمله وطريقة تعامله، تدرب عليها بما يكفي وأصبح ماهراً فيها. وتناوب بقية الأعضاء كلٌ بحسب ما أُتيح له ترديد كلمات العزاء التى سُجلت فى خاتمة اللقاء على مضابط السفارة ليُرسَل جزء منها ضمن التقارير الدورية التى عادة ما ترسلها البعثات الدبلوماسية الى عواصمها.
ولا أحد يدري بالطبع كيف مضت كل الدقائق في ذلك اللقاء وما هي تفاصيل ما قِيل مباشرة، أو ما قيل ضمناً، ولكن رئيس الوفد كمال عمر فيما يبدو وجدها سانحة –طالما أن السفير الجنوبي تقبل منهم هذه التعازي المعبرة بهذا القدر من الترحيب وتفضل عليهم بوقت ثمين، لكي يطلب توسيع نطاق العزاء ليتجاوز الوفد الحدود ويقدم العزاء للقيادة الجنوبية مباشرة فى جوبا.
أغلب الظن أن هذا الطلب راود القيادي كمال عمر لمّا أحسَّ (بدفء اللقاء) و (حرارة الكلمات) والمناخ المعتدل داخل مكتب السفير الذى أنساه حرارة الجو السياسي في أبو كرشولا والخرطوم والهزيمة الداوية الوشيكة للجبهة الثورية هناك. السفير الجنوبي سرعان ما أبدى موافقته على الطلب، فما الذي يضير من  ذهاب وفد سياسي سوداني الى جوبا لتقديم واجب عزاء؟ الأمر لا يتطلب أكثر من تأشيرة دخول، وتنبيه عاجل للقيادة في جوبا أن (بضاعة سياسية) بسعر مناسب ومواصفات معقولة فى الطريق إليكم!
لم يستغرق الأمر بعد اللقاء المطول فى السفارة ضحى الأربعاء التاسع من مايو سوى أربعة أيام، كانت تأشيرات الدخول قد وُضعت على جوازات الوفد، وأحيطت جوبا علماً بتاريخ الوصول وحزمَ الوفد حقائبه ليصل صبيحة الاثنين الثالث عشر من مايو الى جوبا.
ولأن من الطبيعي في مثل هذه الأجواء ان تستثمر جوبا فى الزيارة فإن وفوداً إعلامية وسياسية عديدة تم رصها بعناية فى المطار، فقد نجح أحد الماكرين فى قيادة الحركة الشعبية الجنوبية في إيهام العديدين بأن وفد سودانياً معارضاً سيصل الى جوبا للتباحث حول أمور بالغة الأهمية وأن الوفد بالنسبة لجوبا – كما قال ذلكم الماكر – هو عدوّ عدوّنا! وأنَّ عدوّ عدوّنا كما تعلمون هو صديقنا بالضرورة!
عقب وصول الوفد وسط ذلك الزخم الإعلامي والذي لم يستمر طويلاً بعد أن أدرك مراسلي الفضائيات ووكالات الأنباء المتشوقين طويلاً لما سيفعله الوفد، وأنَّ الوفد يقوده كمال عمر وهو بالنسبة إليهم غنيّ عن التعريف؛ انفضَّ السامر في المطار!
أمين عام الحركة الشعبية باقان أموم أحسّ بالبرود الذى انتاب مراسلي وكالات الأنباء والصحفيين، لهذا سارع بفتح صالة كبار الزوار فى مطار جوبا ليلج إليها الوفد . ولكي لا يضع أموم نفسه في موضع يقلل من مكانته السياسية، فقد دفع بالسكرتير الإعلامي الخاص به، عاطف كير ليكون (وفداً مرافقاً) للوفد السوداني السياسي الكبير.
ولم يقصِّر عاطف كير -بقدر من  الدهاء- في وضع الوفد القادم في امتحان مباشر بعقد مؤتمر صحفي في صالة كبار الزوار سمح فيه لإثنين فقط من الوفد وهما (كمال عمر) و (عبد الجليل الباشا) بالتحدث الى الصحفيين عن أهداف الزيارة!
الوفد وجد نفسه يدور فى حلقة صغيرة فارغة مدارها كله تقديم واجب العزاء وفي الوقت نفسه ظل الصحفيين الذين صبروا على الموقف يتساءلون بإلحاح عما إذا كان كل هذا العناء وصالة كبار الزوار والحشد الإعلامي والسياسي لتقديم واجب العزاء! بل إن بعضهم تساءل عما إذا كان واجب العزاء يستلزم (مؤتمراً صحفياً)؟ هذا خلاف تساؤلات بديهية ضجت بها القاعة ولكنها لم تجد الإجابة حول مستوى القادة القادمين الذين جُعِلَ منهم (برتوكولياً) في مستوى السكرتير الإعلامي لأمين عام الحركة الشعبية!
كمال عمر وصلت الى مسامعه بعض هذه الهمهمات وكاد أن يتمعّر وجهه غضباً لولا أن عاطف كير عاجله بإبتسامه استوائية بدت أكثر عزاءً من كلمات العزاء التى قالها الوفد!
عقب انفضاض المؤتمر الصحفي الذى لم يخرج منه المراسلون بشيء يمكن إرساله على عجل لوكالاتهم، أخذت الوفد سيارة حكومية من طراز متواضع الى فندق (نمولي) ليكون نزلاً بروتوكولياً للوفد. وبصرف النظر عن (درجة الفندق السياحية) فإنه على أية حال وجد فيه الوفد راحة قصيرة لم تمتد لأكثر من نصف ساعة ليفاجأ الوفد بدخول أمين عام الحركة الشعبية أموم إليهم!
مفاجأة الوفد بدخول أموم رسم لوحتها صحفي أفريقي كان يرابط فى الفندق بحثاً عن أحد زملائه الذين جاءوا خصيصاً من دولة افريقية مجاورة لتغطية الزيارة بدعوة من وزارة الإعلام الجنوبية. ودلل الصحفي بأن حضور أموم بدا لأعضاء الوفد مفاجئاً -ودون سابق إخطار- لأنّ أحد أعضاء الوفد كان قد راح في سبات عميق، واضطر للإستيقاظ فجأة على وقع الجلبة التى عمت المكان بقدوم أموم.
وبطبيعة الحال تصعب معرفة كل تفاصيل ذلك اللقاء غير المعلن والمفاجئ ولكن من المؤكد ان أموم استطاع أن يعزف بمهارة -كعادته- على وتر حكومة المؤتمر الوطني وكونها هي أس الأزمة بين البلدين وأنها تسعى لإذلال دولة الجنوب.
أموم أيضاً –كما كشف بنفسه لاحقاً لأحد الصحفيين– أكد للوفد أنهم لا يريدون حرباً مع الخرطوم لأن ذلك يضر بقضية التنمية فى بلادهم، وأنهم لا يدعمون الثورية . ولعل أكثر ما يستلفت الانتباه في ذلك اللقاء الذي شهده فندق نمولي، أن المتحدث الوحيد فيه كان أموم، والمستمع الوحيد أعضاء الوفد ولسوء حظ الوفد فإن أموم كشف عن كل ذلك -بعد نصف ساعة فقط من اللقاء- لأحد المحررين في تلفزيون جنوب السودان متباهياً بأنه (أعطى درساً) لساسة شماليين!
ولعل الأمر الأكثر غرابة فى كل ملابسات هذه الزيارة أنها اتصفت بقدر من ما يمكن ان نطلق عليه (غلظة سياسية) قصدت الحركة الشعبية مسبقاً ان تتعامل بها مع الوفد، فهي تعرف أن أمثال كمال عمر كانوا أعدائهم اللدودين منذ سنوات قلائل، ووجدتها سانحة لإذلالهم غاية الإذلال. فبعد لقائهم أموم و (استماعهم) لمحاضرته السياسية الموجزة كان عليهم التقاء أحد أبناء أبيي وأحد أقرباء السلطان القتيل وهو دينق ألور.
ومن أسوأ ما اخترق آذان أعضاء الوفد أن ألور هو الآخر أعاد إسماعهم ذات محاضرة أموم بحذافيرها وأضاف إليها -
بأسلوبه الخاص- إتهامات صريحة للخرطوم بالتورط فى مقتل السلطان كوال ووجدها سانحة ليقدم لهم (رواية تفصيلية مطولة) قال إنها هي حقيقة الوقائع التى جرت في ملابسات مقتل السلطان.
ومضى ألور فى فذلكة تاريخية سياسية أثارت ضجر الوفد المنهك الذى جاء فقط لتقديم العزاء، فإذا به يحتاج هو نفسه الى عزاء! كما بدا وكأنّ قيادة الحركة الشعبية تمارس (نوعاً من التعذيب) للوفد الذى اختار المجيء طائعاً بغرض التسويق السياسي فى جوبا مع علمه أن جوبا لم تعرف سوق جيّد يعج بالبضائع السياسية ذات المواصفات المطلوبة.
ألور هو الآخر سارع بعد انتهاء اللقاء لإعداد تقرير ضافي (بما اسمعه للوفد السوداني المعارض) وقدمه على عجل للرئيس كير لأنه يعلم أن الوفد سيلتقي الرئيس كير في وقت من الأوقات ضمن برنامج الزيارة .
تقرير ألور الذى تناقلته بعض الأيدي طباعةً وإعداداً وتنسيقاً لم يحظ بالسرية الكافية، ولهذا أصبح بعد لُحيظات مثار تندُّر القادة الجنوبيين وإلتقاط بعض المراسلين المرابطين قرب المقار الرسمية في جوبا؛ ففي جوبا فإن آخر ما يمكنك البحث عنه عنه هو السرية!
ومن المؤكد أن ضجيج الكلمات والعبارات التى اخترقت آذان الوفد جعلته يتمنّى لو أنه اكتفى بالتعزية التى قدمها لسفير دولة الجنوب فى الخرطوم، إذ أنه وبعد لقاء كلٌ من أموم وألور كان فى انتظارهم أحد مسئولي أبيي من الجانب الجنوبي وهو إدوارد لينو، إذ على الرغم من أن لينو مريض ويستشفِي في جناح خاص بفندق (جوبا فليدج) إلا أن الوفد كان ملزَماً بالتقائه هو الآخر والاستماع إليه، وإزداد الأمر سواء في لقاء لينو حين أصر الأخير على إعطائهم (سرداً تاريخياً) للأزمة السودانية الجنوبية منذ ما قبل نيفاشا 2005 ليضطر الوفد للاستماع الى التاريخ (من وجهة نظر جنوبية) محضة كانت بالتأكيد تستبطن إهانة الوفد ضمنياً، إذ أن السرد كله كان حول (الشماليين) والظلم والخداع والسلسلة المعروفة من الحكاوي الجنوبية المعهودة.
لينو هو الآخر أمرَ أحد مرافقيه بسرعة إرسال (تقرير وافي) عما قاله للقادة القادمين الى الرئيس كير قبل ان يصل إليه أعضاء الوفد (حتى يكون في الصورة). وبالفعل تم ذلك ليتحرك الوفد وقد بلغ به التعب والإنهاك مبلغاً خرافياً من كثرة الاستماع الى العبارات المهينة المغلفة بسولفان سياسي ماكر، ولهذا وحين وطأت أقدام الوفد القصر الرئاسي الذي يجلس فيه الرئيس الجنوبي كان يتنفس الصعداء، إذ على الأقل هذه (آخر أحزان الزيارة) وبعدها يستطيع الوفد ان يخلد للراحة ويبتعد عن هذا الضجيج السياسي المزعج.
الرئيس كير –لسوء حظ الوفد– أعاد على مسامع الوفد كل ما سمعوه من القادة السابقين من واقع التقارير التى وصلت إليه ولكنه – لسبب ما – أتاح للوفد التحدث ليجدها الوفد فرصة (نادرة) للحديث عن كل مثالب المؤتمر الوطني وتورطه في جريمة اغتيال كوال وتورطه في العديد من الجرائم الأخرى.
كان واضحاً أن الوفد قد تمت (تعبئته) سياسياً من قبل أموم وادوارد لينو حتى إذا ما إلتقى الرئيس كير في نهاية هذه السلسة من اللقاءات يقدم إدانة سياسية واضحة لما يسميها حكومة  المؤتمر الوطني.
لقد بلغ سوء التقدير السياسي لدى قيادة الوفد أنها لم تدرك هذه الحقيقة إلا بين يديّ الرئيس، حيث سجلت مضابط الرئاسة إدانات موثقة من قبل قوى سودانية معارضة (من بينها قيادي إسلامي) إدانة لبلادهم أمام رئيس دولة أجنبية!
ولهذا فقد ترك لهم الرئيس كير -بخلفيته الاستخبارية- الحبل على الغارب ليسُبّوا حكومة بلادهم ويدينوا دولتهم في حادثة مقتل كوال دينق متحاشين تماماً التطرق الى أي أمر آخر قد يغضب جوبا، وبلغ سوء تقدير الوفد الزائر ذروته حين قفل راجعاً الى الخرطوم وقد بدأت تفاصيل الزيارة تتطاير هنا وهناك بحسابات مدروسة بعناية من قبل القيادة الجنوبية، فقد كانت جوبا تبحث عن (ما يدين الخرطوم) قبل إلتقاء الرئيسين، البشير وكير في أديس أبابا على هامش قمة الاتحاد الأفريقي الثالثة والعشرين؛ كما كانت جوبا تواقة لما يغطي لها عن دعمها للثورية والورطة التى وقعت فيها الثورية في أبو كرشولا، الأمر الذي جعل رحلة الصيد السياسية التى ظن قادة هذه القوى المعارضة أنهم قاموا بها لبراري جوبا لم تكن سوى رحلة صيد كانوا للأسف الشديد هم الطريدة الوحيدة فيها!!

ليس هناك من هو أتعس من هذين الرجلين!

نصر الدين الهادي المهدي، القيادي البارز فى حزب الأمة القومي والقيادي (الرديف) فى الثورية وبجانبه التوم هجو، القيادي (غير البارز)، لا في الاتحادي الديمقراطي ولا في الثورية؛ هما الأكثر تعاسة الآن من غيرهما جراء الأحداث الهائلة التى شهدتها مناطق جنوب وشمال كردفان .
فبالنسبة لنصر الدين الذي يثير إسمه الدهشة وآلاف علامات التعجب، فإن الرجل ساهم (من مقعد صغير خلفي) فى التخطيط لحلمة ضرب شمال كردفان واحتلال أبو كرشولا. ونصر الدين وفى إطار ما سمح له الحلو وعقار وعرمان، أعطى رأياً عسكرياً فى مسار الهجوم وأهدافه وساهم في إعداد قوائم الإعدام والاغتيال مساهمة يدمي لها القلب.
وهو فعل ذلك -للأسف الشديد- وفى اعتقاده أنها (حملة الخلاص) وأنها الطوفان الذي سوف يجرف السلطة الحاكمة ويفتح الطريق الى الخرطوم حيث يدخل الرجل بمعية قادته فى الثورية -فى ذات المقعد الخلفي الصغير- ليقول إنه فى النهاية حقق الهدف، وقطف ثمار سنوات كلفته منصبه فى الحزب وسخط أسرته فى بيت المهدي، ولعنات ذويه من الأنصار.
كانت أولى فجائع نصر الدين التى ما يزال قلبه يؤلمه عليها ألماً ما له من دواء؛ أن قادة الحملة العسكرية الصماء انتاشوا أول ما انتاشوا فى أبو كرشولا قادة ومسنين كبار من الأنصار!
لعلع الرصاص ضاحكاً مستهزئاً من  نصر الدين الهادي وهو يخترق صدور رجال يعرفون قدر الإمام الهادي وزاملوه وبايعوه وأكلوا معه فى قصعة واحدة، رجال تجاوزا فى العمر السبعين والثمانين كانوا ما يزالون يجدون العذر لإبن الإمام الهادي كونه وضع يده وتاريخ أبيه على أيدي موتورين يكرهون الدين ويناصبون حملة القرآن العداء.
لقد كانت أولى أرتال الضحايا فى الموجة الأولى من أنصار الإمام الهادي فى أبو كرشولا ونصر الدين لم يكن ليجرؤ على أن يقول لا؛ أو أن يذرف دمعاً، أو أن يحول بينهم وبين رصاصات قادته السوداء الغادرة. ولربما كان بإمكان الرجل تجاوز الكارثة التاريخية لو أن الحملة العسكرية التى تولى فيها موقع (قائد ثاني) نجحت فى خططها وفتحت الخرطوم وأصبح الرجل ضمن الحاكمين!
ربما عزّى نفسه يومها، ووجد قلبه الصخريّ ألف عذر، ولكن لا الحملة نجحت فى مسعاها، ولا الأنصار غفروا لنصر الدين جريرته وجريمته الداكنة القذرة. وإلى حين انجلاء مصير الرجل وقد أثقل ظهره بهذا الدين الثقيل والكلفة السياسية الباهظة، وإلى حين إدراك الرجل –حتى بعد فوات كل هذا الأوان– أنه (مقصود) من قبل الثورية وأن أهله وبني جلدته وعشيرته مقصودين وبمثابة أهداف مشروعة وإنَّ ضمه الى الثورية لم يكن سوى لإضفاء شرعية سياسية ودينية لهجماتها الموتورة.. الى حين ذلك فإننا ننتقل الى تعيس آخر من تعساء السياسة السودانية حين تتركز ذهنية السياسة فى (إيمان عجيب) بدين سياسي يحلل دماء الأبرياء والمدنيين تحليلاً كاملاً ويحلل نصب المشانق فى العراء و تحت الأشجار ويفصل الدين تماماً عن السياسة، ويفرِّق بين رصاصات النضال الثوري، والرصاصات التى يُختار لها بعناية صدور اليافعين والعجزة وكبارا لسن والنساء.
ذلك هو التوم هجو. رجل من فرط سذاجته وتكوينه السياسي وبساطته الحزبية ترسم له (خطط عسكرية دامية)، وطوفان من الدماء هادر يتبدّى بين سطورها فيوافق عليها بوضع إمضاؤه فى ذيلها ويتمتم فى محاولة لطمأنة قلبه (هي تضحية من أجل المستقبل)! ثم يكتشف لاحقاً -وهو يغرق في دماء أهله- ان قادة الثورية تجاوزوا كل الحدود، وقتلوا –بإمضائه– العشرات من الأبرياء، فلا يتقطر دمعه، ولا يطرف له جفن!
رجل مثل التوم هجو يصلي –بخشوع– فى حضرة زعيمه الميرغني ويردد معه الدعاء، ويستحلّ مع كل ذلك يوم أن ذهب (مناضلاً) دماء الأبرياء فى كردفان محطماً كل ما تبقى من معاقل لحزبه، حتى تصل قطرات الدماء أو تكاد الى جنينة الميرغني الوديعة الهادئة فى ضاحية الخرطوم بحري ليبكي الآلاف من مريدي زعيم الختمية على ما اقترفته أيدي رجل منهم أكل معهم وصلى معهم وذكر معهم ثم ولغ فى إناء مليء بالدم الأحمر القاني.
لو كان عقار وعرمان والحلو، الثلاثي المعروف فى الدم و الدمار والعداء فإن تعاستهم أقل بكثير من تعاسة هذين الرجلين، نصر الدين الهادي والتوم هجو!

الأحد، 2 يونيو 2013

عرمان في ورطته الاخيرة

لم يهتم أحداً حتى الآن بمكان تواجد ياسر عرمان، أحد أبرز قادة الثورية وقطاع الشمال والأكثر براعة فى قدح زناد الحروب جراء تجربة حافلة بالمرارات الشخصية عاشها ويعيشها عرمان جعلته ناقماً على بلاده بأكثر مما هو ناقم على نظام الحكم السائد فيها.
طوال الأسبوعين الماضيين ومنذ بداية ارتكاب الثورية لمذابحها التاريخية فى أم روابة وأم كرشولا ولا أحد يأتي على سيرة أحد ابرز اختصاصيي الدماء والأشلاء وصناعة الأزمات.
آخر عهد المراقبين بعرمان قيادة وفد قطاع الشمال فى العاصمة الاثيوبية أديس أبابا ومنذ اللحظة التى رفعت فيها المفاوضات، إندلعت الأحداث فى كردفان واختفى الرجل. (سودان سفاري) حاولت عبر مصادرها الخاصة فى محاولة منها لاستقصاء (موقع الشاب الموتور) من إعراب الحرب اللئيمة التى يقودها قطاعه فى كردفان، الوقوف على (دوره) ومدى فاعليته فيما جري، إذ من المعروف ان عرمان من الأساس لديه (عقدة خاصة) ترسبت فى نفسه منذ ان التحق بالحركة الشعبية - منتصف الثمانينيات من القرن الماضي- لاجئاً، خائفاً يترقب وقد ترك خلفه فى الخرطوم يومها دعوى جنائية ربما كانت ستدفع به الى حبل المشنقة.
عقدة عرمان تركزت فى أنه (قادم من الشمال وهو ما لن يتيح له مطلقاً ان يتجنس بالجنسية الجنوبية مهما أخلص وأعطى و ضحّى.
وتشير سيرته الذاتية السيئة الصيت فى هذا الصدد أن رصاصات جنوبية عديدة اقتربت منه قاصدة تصفيته وكان الحظ حليفه حين اكتفت رصاصات رفاقه فى الحركة الشعبية على إقتطاع (جزء) من إحدى أذنيه.
لم يكن لعرمان من يومها حامياً سوى قائده قرنق، أما بقية القادة فلم يكونوا -وما زالوا- على طرفيّ نقيض مع شاب (هارب) من دعوى جنائية وليس مؤمناً بقضية سياسية. لسوء حظ عرمان فإن صفعات عديدة تتالت عليه من جانب القادة الذين خلفوا قرنق ليس أولها تجميد قطاعه تماماً بعد ما رفع هيكله العام لرئيس الحركة سلفا كير ميارديت وليس آخرها (تنفيس) حملته الانتخابية الرئاسية وإنزاله بصورة مفاجئة من منصة الترشح (بتعليمات) ودون نقاش.
هذه الصفعات بلغت ذروتها بانفصال الجنوب ليصبح  عرمان (سياسياً بدون)! فلا هو يحمل الجنسية الجنوبية ليكون مواطناً جنوبياً هناك، ولا هو يحمل (الوطنية) السودانية ليظل سياسياً محترماً هنا، ولهذا كان من المحتم -لأن هذه سخريات القدر- أن يسعى عرمان لخلق جنوب جديد، فالفكرة سهلة؛ عود ثقاب صغير يشعل أوسع نطاق من الأرض يلفت نظر المجتمع الدولي، تقوم الدنيا ولا تقعد، تجري مفاوضات ثم تجري عملية تقسيم للسلطة والثروة ليتفادى عرمان (هذه المرة) المأزق السابق.
ولكن العقدة ظلت كما هي؛ فأهل جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق هم أيضاً بالمقابل فهموا اللعبة وليسوا فى حاجة الى (طرزان سياسي) شاب كل حرفته هي إشعال الحروب وتمزيق الأرض وحرقها.
الأزمة الحقيقية التى يعيشها عرمان حالياً ويجهلها الكثيرين أنه (ليس له مقعد) فى مركب المنطقتين ولا نذيع سراً أفادتنا به مصادر من أسوار القطاع، ان عرمان يعيش حالة خوف وهواجس وقلق جراء الدماء التى سالت فى أبو كرشولا رغم اختياره الجلوس بعيداً عن الميدان!
وتشير مصادرنا الى ان عرمان يأتي فى المرتبة الثانية مباشرة بعد الحلو فى تحميله جنايات أبو كرشولا التى اقسم أهالي المنطقة قسماً غليظاً -بحسب مصادرنا- أن يقتصّوا منهما قصاصاً ناجزاً. ولكي نستوثق أكثر من هذه الحقيقة فقد استطلعنا نفر من رفاقه بالداخل وأجمعوا على أن عرمان (يلوذ) الآن بإحدى الولايات الأمريكية محاطاً (بحراسة خاصة) فورطة الرجل بدت ذات شقين؛ فهو من جانب ساهم بصفة أساسية فى التخطيط للهجوم وإعداد قوائم المستهدفين الذين عُلقوا -بدون ذنب- على أعواد المشانق وذبحوا كما الشياه، وهذا يجعله مديناً لأهالي المنطقة طوال حياته سواء حلَّ السلام أو لم يحل.
الشق الثاني هروبه ابتداءً من (الميدان) مع كونه قيادياً فى الثورية وواجباته تقتضي ان يكون قريباً من الحلو وعقار والقوات؛ فالقادة المحاصرين فى أبو كرشولا ومصيرهم مجهول ناقمين على عرمان بموقفه الثعلبيّ وهروبه الكبير من (المشاركة الفعلية) فى ما يسمونه النضال! وأهالي المنطقة ناقمين على عرمان كونه (ليس منهم) ومع ذلك فقد اجتهد لإعداد قوائم القتلى والضحايا وخطط الهجوم!

ورطة الحلو رفاقه فى أبو كرشولا وكاودا!

الأسبوع الماضي، وبعد أن أحكمَ الجيش السوداني -وفق خطة عسكرية محكمة- حصاره كما (الكمّاشة) كما شائع فى المصطلحات العسكرية على مناطق أبو كرشولا وقريباً من منطقة كادوا أحبط عملية إمداد بالسلاح كان المتمردين يحاولون عبثاً تمريرها الى كاودا وأبو كرشولا.
المصادر العسكرية التى أماطت اللثام عن الواقعة أشارت الى أن الشحنة كانت تحتوي على ذخائر بأنواع مختلفة وأسلحة حديثه ومدافع وقطع غيار، وأن الجيش السوداني الذى كان يتابع مسيرة الشحنة عن كثب انقضّ عليها فى اللحظة المناسبة ليحول بينها وبين الوصول الى وجهتها فى كاودا وأبو كرشولا.
الحادثة وبالإضافة الى ما كشفته من إحكام الجيش السوداني لسيطرته على المنطقة المحيطة بأبو كرشولا وكادوا تمهيداً للحظة الفاصلة كشفت أيضاً عن (بداية نفاذ) المخزون الاستراتيجي للقوات المتمردة فى المنطقة بأسرها، ففي مثل هذه الحروب ومهما كانت مخازن المتمردين ممتلئة بالذخائر والعتاد، فهي نافذة لا محالة بحكم الحصار، وعامل الوقت وتقلب الأحوال الجوية حيث يلملم الصيف بعض أطرافه ليحل فصل الخريف.
نفاذ سلاح المتمردين وذخائرهم والمؤن، أو حتى مجرد شعورهم بأنهم لن ينجحوا فى الحصول على مؤن وعتاد إضافي هو فى حد ذاته عنصر هام وفاعل للغاية فى أولى مراحل الهزيمة الشاملة، حيث يبدأ الجند فى التذمر مخافة المواجهة غير المتكافئة ويشرع البعض الآخر فى الفرار باتجاه مختلف أو يفكر البعض فى تسليم نفسه طواعية للجيش السوداني.
وما من شك أن هذا الخطأ العسكري المميت مردّه الأساسي الى أن قادة الثورية ظنوا خطأً أن الفرقعة الإعلامية التى يحدثونها باحتلالهم لمنطقة واحدة، وملامستهم لشمال كردفان سوف تضعف الحكومة السودانية وتصيبها باليأس، وبالمقابل تقوم العناصر الموالية لهم بالداخل بدورها المطلوب فى نخر البناء الداخلي وخلخلته تمهيداً للإنقضاض الشامل.
خطة عسكرية بالغة السذاجة وضعتها الثورية لإحداث هذه الفرقعة الهائلة دون أن تضع اعتباراً للإسناد المعنوي والمادي الكبير الذى يرقد عليه الجيش السوداني والذي حين يحارب –هذه المرة بالذات– لا يحارب لتلقين الدروس وانتزاع أرض سودانية اغتصبت بقدر ما أن هدف حربه هذه استراتيجياً القضاء على داء وبيل إسمه التمرد والثورية. ولا نذيع سراً إن قلنا إن الجيش السوداني – المسنود بقوات شعبية هائلة – قرر استعادة ملحمة صيف العبور الشهيرة فى تسعينات القرن المنصرم حتى يتخلص السودان من مفردة التمرد وحمل السلاح وتكبيد الدولة السودانية مالاً ورجالاً ظلا يعيقان تقدمها الى الأمام.
فالجيش السوداني يقود معركة ضد عدو خارجي ذي ظل داخلي، وهذا من صميم واجبه الوطني وسوف يبدأ (مرحلة جديدة كليةً) فى تدعيم جدار البلاد الحدودي بدعائم فولاذية غير مسبوقة بحيث لن يكون أمام حملة السلاح – بعد الآن – سوى إدارة حروبهم خارج حدود السودان، أو الخضوع للتفاوض بالمعطيات المتوفرة أو المتبقية لهم.
والواقع إن هذه واحدة من أسوا أخطاء وحسابات المتمردين الذين جيّشوا كافة المواطنين ضدهم إذ ليس بالإمكان الرضوخ لعملية استفزازية مريعة كهذه، كما ليس بالإمكان التفاوض -فى ظل واقع مؤسف كهذا- ومن ثم فقد كان خيار التفاوض فى مرحلة ما قبل أبو كرشولا وأم روابة أفضل بكثير لما يسمى بقطاع الشمال من الخيار الذي تحول الى اللاخيار، بعد هذه المعركة الفاصلة!

نيويورك تتفرج على جرائم المتمردين فى كردفان!

مع أنها لا تنقصها المعلومات الكافية بل والزائدة عن الحاجة بشأن الأوضاع البالغة السوء التى خلفها هجوم الثورية على مناطق كردفان عامة من مذابح ومشانق وإعدامات أمام أعين الأقرباء والآباء والأبناء، إلا أن الأمم المتحدة ومع مضي ما يجاوز الأسبوعين على هذه الحادثة البالغة البشاعة لم تقترب من المنطقة ولم تفكر فيما يبدو بالوقوف على الأحوال فيها (وهي طازجة)؛ وهو أمر تفرضه القوانين الدولية ويفرضه النظام الأساسي لميثاق المنظمة الدولية برصد مثل هذه الجرائم والاعتداءات والحيلولة دون تمادي الجناة فيها.
كما أن زيارة مسر ح الجريمة فى التوّ والحين وتوثيق ما جرى – بصرف النظر عن الإجراء العقابي الذي سيترتب على ذلك من عدمه – كان أمراً ضرورياً للغاية لإبراز دور المنظمة فى تعاملها مع الحروب والنزاعات من هذه الشاكلة.
صحيح أن المنظمة الدولية ولطوال سنوات النزاع السوداني السوداني ظلت تتأمل فقط على الجانب الحكومى وحده، ما من قرار تصدره إلا وفيه إدانة صريحة للحكومة السودانية وما من حالات موت حدثت إلا وكان الجاني فيه الحكومة, هذه المرة جرت وقائع جميعها بمبادرة واضحة من جانب المتمردين، ولم تحاول الأمم المتحدة حتى ولو على سبيل المجاملة والتظاهر بالعدل وان تتحرك لوقف المجازر وقطع أعواد المشانق المنصوبة فى أبو كرشولا.
ولهذا كان من الطبيعي أن توجه الخارجية السودانية لوماً مباشراً للأمم المتحدة فى اللقاء الذى جمع وزير الخارجية السوداني على كرتي بوكيل الأمين العام للشئون الإنسانية (فاليري أموس) بالعاصمة السودانية الخرطوم الأسبوع الماضي.
الوزير كرتي قال إن الأمم المتحدة تتساهل مع المتمردين فى كل مواقفهم سواء فى إعتداءاتهم على المدنيين أو منعهم إيصال المساعدات الإنسانية الى المناطق المتضررة.
المسئولة لم تجد ما تدافع به عن موقف منظمتها وإن بدت غير راضية بالفعل بطريقة تعاطي المنظمة الدولية مع الأمر فى مجمله. والواقع إن هنا فقط وفى هذه النقطة على وجه الخصوص تكمن الأزمة الحقيقية بين السودان والأمم المتحدة، فالأحداث تقع وتلقي بظلال سالبة على مجمل الوضع فى السودان ولكن الأمم المتحدة تظل على ذات موقفا الأول. الحكومة السودانية عليها أن تفعل وأن تفعل. وإذا تم عرض الأمر على مجلس الأمن تجد الأخير قد تغاضى تماماً عن توجيه أي لوم أو إدانة على المتمردين.
هذا الوضع بالطبع صار مألوفاً ومفروغاً من ديمومته، وهو وثيق الصلة بطبيعة تركيبة وهيكلة المنظمة الدولية ومجلس الأمن والأكثر سوءاً من ذلك وجود السيدة رايس هناك التى تخلط خلطاً مريعاً ما بين الأمن والسلم الدوليين وما بين مصالح بلادها الخاصة، بحيث يمكن أن تتدهور الأوضاع على الصعيد الدولي تماماً ويعم الدمار كافة الأرجاء دون أن يحرك ذلك واشنطن طالما أن مصالحها لم يمسها سوء، ولهذا فإن من غير المستبعد أن تحاول واشنطن حماية المتمردين من أن يلحق بهم الجيش السوداني هزيمة نكراء جراء اعتداءهم على أبو كرشولا وانتزاعهم إنتزاعاً من مناطق كاودا وجلد والمناطق التى ظنوا أنها أصبحت منصات دائمة لهم.