الأحد، 16 يونيو 2013

جوبا والخسارة الإستراتيجية المزدوجة!

يبدو أن جوبا لم تجد بعد الوقت الكافي لقراءة طبيعة علاقاتها مع جارها السودان الذى لا غنى لها عنه أبداً -لا حضراً ولا مستقبلاً- السودان.
السطر الوحيد الذى مررت عليها عينيها وهي دامعة، كان هو السطر المتعلق بالبترول، فحين توقف ضخه بقرار منها قبل نحو ما عام عانت الأمرّين، اختل توازنها الاقتصادي، فقدت مرونة الحدود وكاد الجوع ذلكم الوحش الكاسر أن يفتك بالملايين من مواطنيها.
ومنذ أن وقعت عيني جوبا على هذا السطر المخيف قررت استعادة علاقاتها -النفطية على الأقل- مع السودان وليس سراً فى هذا الصدد أن أمين عام الحركة وأحد أكاسر الصقور فى الحكومة الجنوبية قال لقادة سودانيين معارضين في لقاء جمعهم بجوبا إن بلاده لا ترغب فى التصعيد مع السودان لأنها تتجه الآن نحو التنمية!
هكذا إذن بدأ الوعي الجنوبي يتسلل من رائحة آبار النفط فيملأ رئتيها بهواء الحياة ويجعلها تفكر ألف مرة قبل أن تتحرك أي تحرك عدائي تجاه السودان.
الآن وبعد أحداث أبو كرشولا وهزيمة الثورية هزيمة نكراء قرأت جوبا سطراً آخر من متن علاقاتها بالخرطوم وآلمها غاية الألم فهي تدعم القوى المسلحة المتمردة على الخرطوم دعماً مباشراً والأثر السالب لهذا الدعم سرعان ما إرتد عليها من جهتين ؛ من جهة أولى انكشفت (عارية) أمام الخرطوم بحيث لم يعد ممكناً -كما كان فى السابق- إنكار هذا الدعم؛ أدلة مادية لا تقبل أدنى تشكيك وضعتها الخرطوم على مائدة الرئيس الجنوبي وخيرته فى تحديد خياراته ولم يجد مناصاً سوى الإقرار والاعتذار.
ومن جهة ثانية فإن الدعم نفسه – على كثرته – لم يأت بنتيجة ولو صغيرة الحجم تحاجج بها، إذ أنه ما من هجوم شنّه المتمردون بدعم من الجنوب إلا وتصدت له الخرطوم وألحقت به خسائر فادحة.
إذن خسارة جوبا هنا مزدوجة، خسرت ثقة جارها السودان بعدما حصارها بأدلة دعمها للمتمردين ومن ثم سجل السودان هدفاً فى الشباك الجنوبية على مستوى المرمى الرئاسي بحيث يستحيل –بعد أن أقرّ الرئيس كير وقدم اعتذاره للخرطوم أن يظهر مسئول جنوبي (أدنى درجة) لينفي إقرار واعتذار رئيسه.
وفى جانب آخر خسرت جوبا ايضاً الدعم والمال والسلاح والهدف الذي كانت ترجوه بدعمها للثورية حين ألحقت الخرطوم هزائم نكراء بالثورية.
وعلى هذا الأساس فإن قراءة جوبا لدفتر علاقاتها بالسودان يمكن القول إنها أخذت منح أقرب (للتجريب)، بصرف النظر عن ما إذا كانت هناك قوى خارجية معروفة تذكي أوار هذا النزاع، ولكن جوبا أصبحت فى كل يوم تدرك أنها تخطئ وأنها تخسر من أن تربح، بل إن جوبا الآن وصلت آخر محطات التجريب، فبإمكانها الآن أن تحدد هل تود خوض حرب خاسرة لا محالة بينها وبين السودان، أم أنها ستسير فى ركاب العلاقات الطبيعية المستندة على إرث تاريخي خالد ومصالح إستراتيجية خالصة؟
لقد تبين الآن أن الحرب الطويلة التى خاضها القادة الجنوبيون ضد الخرطوم (لما يجاوز العقدين) مضافاً إليها فترة المفاوضات الطويلة الشاقة منذ العام 2003 وحتى نيفاشا 2005 مضافاً إليها فترة الانتقال الممتدة من العام 2005 وحتى 2011 جميعها لم تفد هؤلاء القادة في فهم طبيعة الأوضاع فى السودان ولا الكيفية المثلى للتعامل معه، وهو أمر وإن كانت نتيجته القريبة المباشرة أن الساسة الجنوبيين (الحركة الشعبية على وجه الخصوص) بطيئ الفهم والاستيعاب فى الشأن المختص بالعلاقات الدولية والسياسة الخارجية، فإن النتيجة على المدى الطويل تشير الى أن الحركة الشعبية الحاكمة هناك لن يطول ولن يطيب لها المقام فى سلطة إدارة الدولة طالما أنها لا تحسن إدارة مصالح دولتها، فليست الأمور كلها قضيا تاريخية مع السودان من الضروري الاقتصاص منه بشأنها وليست الأمور كلها محاولة صناعة نظام جديد ذي طبيعة افريقية (غير ملتزمة بالدين)، مبتعدة عن الثقافة العربية حتى تبدو متوافقة ومتسقة تماماً مع نظام جوبا.
الأمور اكبر من ذلك بكثير، فهناك دولة بها ما يجاوز الـ10 مليون نسمة ويحتاجون لخدمات وتنمية وتعليم وصحة وغذاء. لو أن الحركة الشعبية كانت قد صرفت ما صرفته على الثورية وقطاع الشمال فقط لتعبيد الطرق الرئيسية فى عواصم المدن الجنوبية الكبرى لكان ذلك انجازاً لها، ولو أنها استبدلت ثمن السلاح الهائل الذى راح هدراً على أيدي الثورية فى بناء مشروعات تنموية مشتركة مع الخرطوم لكان ذلك خطوة إستراتيجية نحو النهضة الشاملة.
وعلى ذلك فليست المشكلة الآن أن جوبا جربت كل شيء وفشلت، المشكلة أن جوبا مطالبة بسداد ثمن كل ذلك من حسابها الخاص ودون أن تكون قد استفادت من البضاعة!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق